
في أمسية ستبقى محفورة في الذاكرة الثقافية المصرية، لفت الفنان النوبي أحمد إسماعيل أنظار العالم خلال الافتتاح الرسمي لمتحف الحضارة المصرية، حين وقف بصوته العميق المتجذّر في روح النوبة ليقدم مع المطربة المصرية حنين الشاطر أغنية “النيل” أمام الرئيس عبد الفتاح السيسي والسيدة انتصار السيسي ووفود دولية رفيعة المستوى، إضافة إلى جمهور عالمي تابع الحفل من مختلف القارات.
كان المشهد أكثر من مجرد أداء غنائي. فقد حمل إسماعيل إلى المسرح إرثًا موسيقيًا ضاربًا في التاريخ، ومزج بين التعبير النوبي الأصيل وصدق المشاعر، ليصل إلى القلوب قبل الآذان. وانتشرت جملة الأغنية الشهيرة “إن مينا أبا مينا” – وتعني بالنوبية “كيف أصف ما أراه؟” – بسرعة على منصات التواصل، مثيرة فضول المستمعين حول معناها وجماليتها.
وفي حوار حصري مع NileFM، تحدّث إسماعيل عن رحلته الفنية، ومعنى الأغنية، وكواليس مشاركته في هذا الحدث الذي وصفه بأنه “لحظة للتاريخ”.
من النوبة إلى العالم
“ولدت في النوبة وبدأت الغناء في سن مبكرة”، يقول إسماعيل.
تعلّم العزف على الأورغ والعود، وكتب الشعر، ولحّن، وعمل مع شعراء نوبيين بارزين على مدار سنوات، منتجًا أعمالًا أصيلة تركت أثرًا واضحًا في الساحة الفنية.
فهو لا ينتمي فقط إلى مدرسة غنائية، بل إلى هوية موسيقية كاملة تتنفس من قلب الجنوب، وتحمل عبق النارين والإيقاعات النيلية، وتعيد تقديمها بصوت يجمع بين الهدوء والصلابة.
اتصال غيّر المسار
ورغم خبرته الطويلة، لم يكن يتوقع أن تأتيه مكالمة تُغيّر مسار حياته.
يقول: “جاء الترشيح من اللجنة المنظمة بعد مراجعة أعمالي السابقة. أرادوا فنانًا يمثل النوبة بشكل حقيقي في حدث تاريخي كهذا. عندما وصلتني الدعوة، شعرت بفخر كبير ومسؤولية عظيمة. الوقوف على خشبة المتحف لم يكن مجرد حفل… بل لحظة ستظل مكتوبة في تاريخ الثقافة المصرية.”
كواليس الأغنية التي جمعت بين لغتين وروحين
بدأت الفكرة من رغبة الفريق الفني في خلق عمل يعكس تنوع مصر اللغوي والثقافي والجغرافي.
يقول إسماعيل: “عندما طرحوا فكرة المزج بين العربية والنوبية، سعدت جدًا. عملنا بدقة على اللهجة والنطق والمعنى، بمساعدة الشاعر النوبي أحمد عيسى عبد السلام.”
تحت إشراف المايسترو ناير ناجي، وبألحان الموسيقار هشام نزيه، كانت البروفات مكثفة ومتقنة.
يعلّق إسماعيل: “كل شخص في الفريق كان يعمل بقلبه. أردنا أن نقدم شيئًا صادقًا، منّا إلى الناس. وأعتقد أن صدق العمل هو ما وصل إلى الجمهور.”
“إن مينا أبا مينا”… كلمات تعجز عن وصف مصر
يوضح إسماعيل بأن عبارة “إن مينا أبا مينا” تعني بالنوبية:
“كيف يمكنني وصف ما أراه؟”
وهي دعوة للتأمل في عظمة مصر وحضارتها.
جاءت كلمات الأغنية في مقاطع تحمل الشعر والروح:
إن مينا أبا مينا – كيف أصف؟
جناية أبا مينا – أهي جنّة أم حلم يتحقق؟
فاركيي أمان داني – الوادي والنهر…
أبا… أبا – هل يمكن؟
إركي دسّا جوسونا – الأرض ترتدي ثوبًا أخضر،
إي… تارا – نعم، هكذا هي.
إركيي نيلونوجو – أرضنا، مصر، المباركة بالنيل،
جنّال أوسكيروجونا – قد وهبتنا الجنة.
ويشير إلى أن الكلمات مكتوبة بلهجة الفاديجا النوبية، المعروفة بإيقاعها الخماسي الذي يمنح الموسيقى النوبية طابعها المميز.
لحظة لن تُنسى
يتذكر إسماعيل وقوفه أمام كبار الشخصيات الدولية قائلاً:
“شعرت بمزيج من الفخر والرهبة. كنت أمثل كل فنان نوبي، وكل مصري يريد أن يرى اسم بلاده في مكانه الذي يستحقه. كنت فخورًا بأن يصل صوت النوبة إلى العالم من أهم مسارح مصر.”
صدى عالمي… واعتزاز محلي
بعد الحفل، انهالت عليه رسائل التهاني.
يقول: “أجمل ما وصلني كان من أهل النوبة، الذين قالوا إنهم شعروا بأن لغتهم تُكرّم على منصة عالمية. كما تلقيت رسائل من فنانين من مصر والعالم العربي، وهذا أسعدني كثيرًا.”
تلاميذ الروّاد: وردي وحمزة علاء الدين
يصف إسماعيل نفسه بأنه تلميذ لاثنين من أعمدة الموسيقى النوبية:
محمد وردي و حمزة علاء الدين.
“وردي علّمني الانتماء والإخلاص للفن. أما حمزة علاء الدين فعلمنا أن الموسيقى النوبية ليست محلية… بل تمتلك روحًا عالمية. أحاول دائمًا الموازنة بين الأصالة والانفتاح على العالم.”
المستقبل… نوبيّ ومشرق
يؤمن إسماعيل بأن المستقبل يحمل الكثير للموسيقى النوبية، خاصة مع اهتمام الشباب بالفنون التراثية.
“الموسيقى النوبية مليئة بالإحساس، فيها نغم مختلف ودفء لا يشبه أي موسيقى أخرى. تحتاج فقط إلى دعم إعلامي حقيقي، وعندها ستصل إلى العالم كما يجب.”
ثنائية عربية–نوبية بصوتين متناغمين
شكل الدويتو بين إسماعيل وحنين الشاطر واحدة من أجمل لحظات الأمسية.
“فكرة دمج اللغتين كانت انعكاسًا لروح مصر… وحدة في تنوعها. تناغمنا معًا كان طبيعيًا، حتى لو لم يفهم المستمع كل كلمة، فقد شعر بروح الأغنية.”
نجاح جماعي… وشكر من القلب
يؤكد إسماعيل أن الفضل في نجاح الأغنية يعود للفريق بأكمله:
“العمل مع هشام نزيه كان رائعًا… لديه قدرة مذهلة على تحويل الإحساس إلى لحن. المايسترو ناير ناجي كان دقيقًا في كل تفصيلة. والشاعر أحمد عيسى قدّم كلمات عميقة وراقية. الجميع وضع بصمته.”
رسالة أخيرة
وعندما طُلب منه وصف مصر في جملة واحدة، قال:
“مصر حكاية لا تكفيها الكلمات… حضارة علمت العالم وروح تجمعنا مهما اختلفنا.”
ثم يضيف بتأثر:
“أشكر جمهوري، وأهل النوبة الذين اعتبروا نجاحي نجاحهم، وأسرتي التي كانت سندي دائمًا. أتمنى أن أكون دائمًا جديرًا بتمثيل النوبة ومصر بكل فخر.”
