
في تجربة سينمائية قصيرة، استطاع الفلسطيني توفيق بارهوم أن يصنع عملاً يترك أثرًا طويل الأمد على المتلقي، رغم مدته التي لا تتجاوز ثلاثة عشر دقيقة. فيلمه القصير «I’m Glad You’re Dead Now»، الذي سبق له أن فاز بجائزة السعفة الذهبية لأفضل فيلم قصير في مهرجان كان، يُعرض لأول مرة في الولايات المتحدة ضمن فعاليات مهرجان صندانس، حاملاً معه رؤية فنية ناضجة تتعامل مع الذاكرة والحزن والمصالحة بطريقة غير مألوفة في السينما المعاصرة.
انضم الممثلان جوكين فينيكس وروني مارا كمنتجين تنفيذيين للفيلم، دعمًا لقضية فلسطين واعترافًا بأهمية العمل الفني. وقد صرح فينيكس مؤخرًا، قائلاً: «هذا فيلم يواجه الذاكرة والصدمات والمصالحة بطريقة تبدو عاجلة وضرورية اليوم. أشعر بالفخر لكوني جزءًا من مستقبله». وأضافت مارا: «من اللحظة التي شاهدت فيها الفيلم، ظل ثقلُه العاطفي وقوته المكبوتة عالقين في ذهني. يشرفني دعم رؤية توفيق ومسيرة الفيلم المستمرة».
يحكي الفيلم قصة أخوين يعودان إلى الجزيرة التي نشأوا فيها، حيث تعود الأسرار المدفونة والشدود المكبوتة إلى السطح، ويضطران لمواجهة الماضي الذي يربطهما ويطاردهما في الوقت نفسه. خلال هذه الدقائق القليلة، يتحول النص السردي تدريجيًا إلى ما يشبه قصيدة بصرية، تعتمد على الجو العام والمشاعر أكثر من شرح الأحداث أو تقديم معلومات مباشرة. الصور السينمائية في الفيلم تستحضر حالات عاطفية صعبة التعبير بالكلمات، لتصبح تجربة المشاهدة أشبه بالغوص في شعور داخلي عميق.
ما يميز «I’m Glad You’re Dead Now» هو رفضه تقديم الحزن كعملية شفاء أو تطهير نفسي. الحب، وفقًا للفيلم، لا يمحو الضرر، والموت لا يمنح دائمًا نهاية أخلاقية أو مغفرة. التبادلات بين الأخوين مليئة بما لم يُقال، ما يجعل الصمت ذا ثقل يعادل الكلام. الفيلم يصبح بذلك استكشافًا عبقريًا لعبء العيش مع الكلمات المحجوبة، والغضب المكبوت، وفهم أن المصالحة ليست دائمًا ممكنة.
بدلاً من تقديم تبرير أو مصالحة سهلة، يمنح الفيلم شكلًا لتجربة نادرًا ما تعالجها السينما: التعايش بين الرقة والضرر داخل مشهد الحزن. هذا النهج يتحدى بهدوء وبقوة السرديات الثقافية السائدة حول الحزن التي تُصر على الشفاء أو الغفران أو الإغلاق النفسي. وتجربة المشاهدة هنا تتطلب صبرًا، إذ يثق الفيلم في قدرة المتلقي على التعايش مع الغموض وعدم اليقين، بدلًا من أن يرشدهم إلى نهاية عاطفية محددة.
هناك صورة محددة تبقى عالقة في الذاكرة بعد المشاهدة: لحظة عضّ أحد الأخوين لليمون. الأخ، الذي يعاني اضطرابًا نفسيًا يؤثر على ذاكرته، يؤكد على أن شقيقه يحب الليمون. لكن الرد يكون صادمًا بهدوء: على العكس تمامًا، فقد اعتادا على تناوله عمدًا لغسل مرارة الحياة. هذه اللحظة لا تعمل كمجرد استعارة، بل كمؤشر على أن بعض الأفعال المتكررة يمكن أن تستمر بعد فقدان معناها الأصلي. من خلال التركيز على تجربة حسية بسيطة، يتحول الطعم إلى وسيلة للتعايش مع ما لا يمكن حله بالكامل.
الإنجاز الحقيقي للفيلم يكمن في قدرته على نقل تجربة الحزن والذاكرة والصراع الداخلي بثقة نادرة، دون الحاجة إلى طمأنة المشاهد. بارهوم يترك الغموض يترسخ، تاركًا أثر اللحظة المعلقة على الشاشة، ليظل محفورًا في الذهن طويلاً بعد انتهاء المشاهدة. تجربة مشاهدة الفيلم ليست مجرد قصة، بل هي شعور يمكن أن يبقى معك، مثل طعم الليمون الذي لا يُنسى، ويحتاج إلى التذوق ببطء للاستمتاع بكل أبعاده.
«I’m Glad You’re Dead Now» يثبت أن السينما القصيرة يمكن أن تكون عميقة وملهمة، وأن قوة الأفلام لا تقاس بطولها، بل بقدرتها على تحريك المشاعر والتفكير، وفتح نوافذ جديدة على تجربة الحزن والذاكرة والإنسانية. من المؤكد أن توفيق بارهوم يرسّخ نفسه كمخرج موهوب يملك حسًّا فنيًا ناضجًا، وأن أعماله القادمة قد تحمل رؤى أعمق وأكثر جرأة في معالجة القضايا الإنسانية.
