
في قلب مدينة تازة التاريخية، أقيمت النسخة الأولى من مهرجان تازة للكنوز الحية، احتفاءً بفنّ “الهتي” أو “الهيت”، الذي يُعد من أبرز الفنون الشعبية الحية في شمال المغرب، ويحمل إرثاً ثقافياً غنياً ومتوارثاً عبر الأجيال. هذا الفن التقليدي، الذي يعرف محلياً باسم “فرايجية” و”تشكال”، يمثل إحدى أبرز مظاهر الذاكرة الجماعية للمجتمع البربري في مناطق الريف الشمالي، ويمثل شهادة حية على أسلوب حياة وثقافة المنطقة، متجذرة في تاريخها وجغرافيتها وبيئتها الطبيعية.
تراث حي بين الماضي والحاضر
يُعتبر فن الهتي إرثاً غير ملموس يعكس الهوية الثقافية لسكان تازة، بما في ذلك قبائل “بران”، “أتسول”، و”حايينا”. يقوم هذا الفن على التفاعل بين الإيقاعات والحركات الجسدية والأصوات والغناء المرتجل، ويؤدي في الغالب من قبل مجموعات ذكورية، مع حضور نسائي محدود عبر الهتافات والتعابير الصوتية في الصفوف المخصصة للجمهور. ويتميز الأداء بتوزيع الأدوار بين القائد والمغنين، مع تنظيم جماعي للحركة والإيقاع، مما يعكس التماسك الاجتماعي والهوية الجماعية للمجتمع المحلي.
تشمل أدوات الموسيقى المصاحبة للهتي المقصات، والدفوف، والطبول، والمزمار التقليدي، فيما يتزين المشاركون بزي موحد يعكس الطابع المحلي، ويُضفى على الأداء طابع احتفالي يعكس القيم والموروث الشعبي للمنطقة. ومن الطقوس المصاحبة لهذا الفن ما يُعرف بـ “الغرامة”، أي تقديم النقود للمؤدين تعبيراً عن التقدير والتحفيز على الاستمرار في الإبداع والمنافسة في الأداء الغنائي والإيقاعي المعروف باسم “الزريعة”.
المهرجان: منصة لإحياء التراث
شهدت الأيام الثلاثة الأخيرة من نوفمبر النسخة الأولى من مهرجان تازة للكنوز الحية، الذي نظمته جمعية التنمية الكبرى لتازة. لم يقتصر الحدث على الاحتفاء بالفن الشعبي، بل شمل عروضاً فروسية، ومعارض للحرف التقليدية، وورشاً وندوات علمية تناولت الهتي من زوايا متعددة: التعريف به، تحديد هويته، دراسة خصوصياته التراثية، استعراض التحديات التي تواجهه، وطرق صيانته وتوثيقه.
شارك في هذه الورش باحثون ومؤرخون وكتاب وروائيون وصحفيون، حيث قدموا تحليلات معمقة لفن الهتي، وأوضحوا دوره في تشكيل الذاكرة الجماعية والهوية المحلية، وأهمية الحفاظ عليه في مواجهة التدفق المستمر للثقافة الحديثة والتكنولوجيا. وقد ساهم المهرجان في توثيق هذا الفن وإبرازه كعنصر مهم من عناصر التنمية الثقافية المحلية، وهو ما يعكس اهتمام الجمعية بتسليط الضوء على الموارد الثقافية العالية المستوى للمدينة والمناطق المجاورة.
فن الهتي: التحديات والفرص
على الرغم من غنى فن الهتي وقدرته على التعبير عن أصالة المجتمع المحلي، فإنه يواجه تحديات حقيقية تهدد استمراريته، مثل التأثير المتزايد للثقافات الحديثة وتراجع الاهتمام الشعبي بين الشباب. لذلك، ركزت فعاليات المهرجان على أهمية التوعية المجتمعية، ودعم الحفظ والتوثيق، وتحفيز الأداء الحي، بما يضمن نقل هذا الإرث إلى الأجيال القادمة، مع احترام أصالته وهويته الثقافية.
كما سلط المهرجان الضوء على قيمة الهتي ليس فقط كفن موسيقي ورقص جماعي، بل كمرآة تعكس أسلوب حياة المجتمع، وقيمه الاجتماعية، وعلاقته بالبيئة، وارتباطه بالذاكرة التاريخية والجغرافية للمنطقة. هذه الخصائص تجعل الهتي فناً متكاملاً يربط بين الماضي والحاضر، ويؤكد على أن التراث الثقافي ليس مجرد ماضٍ يُحفظ في الذاكرة، بل هو مكوّن حي يشارك في تشكيل الهوية المجتمعية والفردية.
مشاركة دولية وتكريم للضيوف
تميزت النسخة الأولى للمهرجان بحضور ضيوف شرف من المغرب وخارجه، أبرزهم فرق تراثية من جهة السمارة (العيون – الساقية الحمراء)، التي أبدعت في تقديم عروضها الفنية، إضافة إلى مشاركة السنغال عبر سفارتها في الرباط، ما يعكس الروابط الثقافية والتاريخية العميقة بين المغرب والدول الإفريقية. هذا الحضور الدولي أضفى على المهرجان بعداً تعليمياً وترويجياً، مؤكداً أن فن الهتي يمكن أن يكون جسراً للتواصل الثقافي بين الشعوب.
الرؤية المستقبلية للمهرجان
تطمح جمعية التنمية الكبرى لتازة من خلال هذا الحدث إلى ترسيخ تقليد سنوي للاحتفاء بالكنوز الحية للمدينة والمنطقة، مع التركيز على توثيق التراث، ودعم الفنون الشعبية، وتعزيز الهوية المحلية، وتحقيق التنمية الثقافية والسياحية. ويأمل القائمون على المهرجان أن تكون النسخ القادمة أكثر توسعاً، مع إشراك المزيد من الباحثين والفنانين والمؤسسات الثقافية، لتصبح هذه التظاهرة منصة دائمة لحماية التراث وتعزيز قيمه الفنية والاجتماعية.
في الختام، شكّل مهرجان تازة للكنوز الحية خطوة نوعية نحو إبراز الفن الشعبي المغربي والحفاظ عليه، حيث جمع بين الاحتفاء، والتوثيق، والبحث، والترويج، وقدم نموذجاً يحتذى به في كيفية رعاية التراث المحلي ضمن رؤية شاملة للتنمية الثقافية. ومن خلال التركيز على فن الهتي، أكد المهرجان أن التراث الحي ليس مجرد ذاكرة، بل هو إرث مستمر يساهم في صياغة الحاضر وبناء المستقبل، ويُثبت أن الهوية الثقافية المغربية، بكل تنوعها، ما تزال حية وفخورة بنفسها، قادرة على التألق في زمن التغيرات والتحديات.
