
تُثبت المخرجة اللبنانية جيسي موسالّيم مرة أخرى أن السينما القصيرة قادرة على طرح قضايا اجتماعية معقدة بأسلوب رصين وفعّال. فيلمها القصير الأخير «Faux Bijoux» حظي باختيار لجنة مهرجان صندانس من بين أكثر من عشرة آلاف فيلم قصير قُدّمت للمنافسة، لتعرض اللجنة خمسين فيلمًا فقط في المهرجان، ما يدل على قوة الرسالة السينمائية للفيلم ومستوى صناعته.
يتتبع الفيلم شخصية ميراي، امرأة شابة تصطحب ابنها جوني إلى ما تُعلن عنه على أنه تجربة أداء تمهّد له فرصة الانطلاق نحو الشاشة الكبيرة. ولكن سرعان ما يتضح أن التجربة ليست إلا واجهة لترتيب أمومي مدفوع الأجر مع زوجين أجنبيين لا يستطيعان الإنجاب. مقابل مبلغ مالي كبير، تُطلب منها ميراي أن تحمل لهما طفلهما، ومقابل التوائم سيحصلان على المزيد. وفي الوقت نفسه، تُخبر ميراي عائلتها بأنها ستغيب لفترة طويلة بسبب عمل في فيلم، محاولةً إخفاء الحقيقة عن المحيطين بها.
ما يميز «Faux Bijoux» هو قدرة الفيلم على معالجة القضايا الاجتماعية دون اللجوء إلى شروحات مباشرة أو مونولوجات طويلة. القضايا الكبرى تنبثق بشكل طبيعي من خلال التفاصيل الصغيرة، الإيماءات، والتبادلات البسيطة بين الشخصيات، لتتيح للمشاهد تفسير السياقات الاجتماعية دون أن يُفرض عليه كيفية قراءتها.
على سبيل المثال، يظهر موضوع العنصرية بشكل ضمني، دون أن يُعلن كموضوع رئيسي. يتجلى ذلك في مكالمة هاتفية قصيرة من والدة المرأة الأجنبية التي تسأل عن لون بشرة ميراي. السؤال يبدو بسيطًا، حتى روتينيًا، لكنه يكشف عن أبعاد معقدة تتعلق بالتمييز العرقي. ميراي تتحوّل إلى مجرد مجموعة من الصفات القابلة للقياس، التي تحدد قيمتها ضمن الصفقة. وهنا يكمن تأثير الفيلم في كشف التمييز الاجتماعي المستتر تحت المظاهر الليبرالية والعلاقات التجارية.
من جانب آخر، يشير الفيلم بدقة إلى الضغوط الاقتصادية التي تواجهها ميراي، دون أن يُقدمها كمبرر مباشر لقرارها. الفيلم يلمح إلى الأزمة الاقتصادية المستمرة في لبنان، لتصبح الضرورة المادية عاملاً يحوّل جسد ميراي إلى أداة للتفاوض المالي، حيث تتحول الإمكانيات البديلة إلى محدودة أو غير موجودة. بهذا الشكل، يسلّط الفيلم الضوء على كيفية تأثير الانهيار الاقتصادي على اختيارات الأفراد الشخصية.
كما يلعب الوسيط اللبناني دورًا مهمًا في سرد الأحداث، إذ يكشف الفيلم عن طبقة من الاستغلال الداخلي. هذا الرجل، الذي يركز على الربح فقط، يتعامل مع الصفقة باعتبارها فرصة تجارية بحتة. من خلال شخصيته، يطرح الفيلم نقدًا دقيقًا لما يمكن أن نسميه الذكورة السامة القائمة على السيطرة والمصلحة الذاتية، دون أي مسؤولية أخلاقية.
تأتي قوة «Faux Bijoux» أيضًا من الأداء التمثيلي المتقن. الممثلة التي تلعب دور ميراي تمتلك حضورًا قويًا على الشاشة، وتستطيع التعبير عن اليأس والضغط النفسي بحدّة دون مبالغة. الطفل جوني يقدّم أداءً متوازنًا يضيف بعدًا آخر للفيلم؛ فحلمه بالشهرة، على بساطته، يعكس منطق المعاملات الذي يحكم البالغين حوله. إن رغبة الطفل في أن يُرى ويُختار تتحول إلى جزء من الاقتصاد الرمزي الذي يسود الصفقة.
أما شخصية المرأة الأجنبية التي تؤديها سيدي هارلا، فهي معقدة أيضًا. حنينها لإنجاب طفل يجعلها عالقة ضمن نفس اقتصاد الرغبة الذي تحكمه الحاجة المادية عند ميراي. الفيلم لا يصنّف هذه الاحتياجات ولا يعطي أولوية لأحد على الآخر، بل يراقب كيف تتقاطع الرغبات المختلفة عبر الأجساد والحدود.
الإنجاز الأكبر للفيلم هو قدرته على معالجة هذه القضايا الاجتماعية بكفاءة في وقت قصير دون أن يشعر المشاهد بأن الأفكار مكتظة أو مزدحمة. موسالّيم تظهر كمخرجة واثقة وقادرة على توظيف تفاصيل صغيرة لخلق نص غني ومؤثر، يترك أثرًا طويلًا لدى المشاهد.
في النهاية، يقدّم «Faux Bijoux» منظورًا سينمائيًا متقنًا عن كيفية تحويل الأجساد إلى أدوات للتبادل الاجتماعي والاقتصادي، ويطرح تساؤلات حول العنصرية، الظلم الاقتصادي، والعلاقات الجندرية من دون صخب أو تلاعب بالرموز. مع هذا العمل، تؤكد جيسي موسالّيم أنها مخرجة واعدة، وأن أفضل أعمالها السينمائية ربما لا تزال في الطريق.
