
مع انخفاض درجات الحرارة واشتداد برودة الطقس، لا يتغيّر المشهد خارج النوافذ فقط، بل تتبدّل أيضًا حالة الجلد، خصوصًا لدى المصابين بالإكزيما، أو ما يُعرف طبيًا بالتهاب الجلد التأتّبي. هذا المرض الجلدي المزمن لا يختفي بسهولة، بل يميل إلى الهدوء ثم العودة في نوبات متكرّرة، وغالبًا ما يكون الشتاء موسمه الأصعب.
الإكزيما لا تقتصر على الأطفال كما يعتقد البعض؛ صحيح أنها أكثر شيوعًا في الطفولة المبكرة، لكنها قد تستمر إلى مرحلة المراهقة والبلوغ، بل وقد تظهر للمرة الأولى في أي عمر. ومع جفاف الهواء، وقلة التعرّض للشمس، وكثرة الاستحمام بالماء الساخن، يصبح الجلد أكثر هشاشة، وتزداد احتمالية الالتهاب والحكّة.
في هذا التقرير، نستعرض أبرز أعراض إكزيما الشتاء، ثم نقدّم مجموعة من النصائح العملية المدعومة بتوصيات طبية، لمساعدتك على تخفيف الأعراض والحد من النوبات، بأسلوب واقعي يمكن تطبيقه فورًا.
الأعراض الأكثر شيوعًا للإكزيما
بحسب الموقع الصحي الفرنسي Ameli، تظهر الإكزيما التأتّبية من خلال مجموعة من العلامات الواضحة، من أبرزها:
- احمرار الجلد في مناطق محددة، غالبًا على الوجه، اليدين، ثنيات المرفقين والركبتين.
- نتوءات صغيرة مرتفعة تعطي الجلد مظهرًا خشنًا ومتورّمًا، وقد تكون غير مرئية بوضوح في البداية.
- إفرازات جلدية ناتجة عن تفتّح هذه النتوءات، تليها مرحلة الجفاف.
- ظهور القشور بعد انتهاء مرحلة الإفراز.
- جفاف شديد في الجلد، ليس فقط في المناطق المصابة، بل أحيانًا في الجلد المحيط بها.
- حكّة مزعجة قد تشتد ليلًا، وتؤثر على النوم وجودة الحياة.
هذه الأعراض لا تؤلم الجلد فحسب، بل تُرهق المصاب نفسيًا أيضًا، خاصة عندما تتكرر وتؤثر على المظهر الخارجي والثقة بالنفس.
لماذا تسوء الإكزيما في الشتاء؟
الشتاء عدوّ خفي للبشرة الحساسة. الهواء البارد والجاف في الخارج، والتدفئة القوية في الداخل، يجرّدان الجلد من رطوبته الطبيعية. يضاف إلى ذلك قلة التعرّض لأشعة الشمس، التي تلعب دورًا مهمًا في تهدئة الالتهابات الجلدية وتنظيم جهاز المناعة.
والنتيجة؟ حاجز جلدي ضعيف، يسمح بدخول المهيّجات بسهولة، ويجعل الجلد أكثر عرضة للالتهاب والحكّة.
طرق فعّالة لعلاج إكزيما الشتاء والتخفيف من حدّتها
1. العناية اليومية بالبشرة… الأساس الذي لا غنى عنه
قد تبدو هذه النصيحة بديهية، لكنها حجر الأساس في التعامل مع الإكزيما. العناية اليومية المنتظمة بالبشرة ليست رفاهية، بل ضرورة.
احرص على ترطيب وجهك وجسمك يوميًا، ويفضّل أكثر من مرة في اليوم، خاصة بعد غسل الجلد. استخدم كريمات مرطّبة غنية وخالية من العطور، وطبّقها على بشرة رطبة قليلًا للحفاظ على الماء داخل الجلد.
في الشتاء، تعامل مع بشرتك كما لو كانت أكثر ما تملك قيمة، لأنها فعلًا كذلك.
2. تجنّب الحمّامات الساخنة والطويلة
الاستحمام بالماء الساخن قد يبدو مغريًا في أيام البرد، لكنه من أسوأ ما يمكن تقديمه لبشرة مصابة بالإكزيما. الحرارة العالية تجرّد الجلد من زيوته الطبيعية، وتزيد الجفاف والحكّة.
يُنصح بألّا تتجاوز حرارة الماء 38 درجة مئوية، مع تقليل مدة الاستحمام قدر الإمكان. كما يُفضّل تجنّب قنابل الاستحمام والعطور القوية، لأنها قد تحتوي على مواد مهيّجة.
بدلًا من ذلك، يمكنك إضافة مكوّنات مهدّئة مثل مسحوق الشوفان الغروي، المعروف بقدرته على تهدئة الاحمرار ودعم الحاجز الجلدي.
3. البرودة قد تكون حليفك أحيانًا
على عكس التوقّعات، فإن البرودة الموضعية قد تساعد في تخفيف أعراض الإكزيما، خاصة الحكّة والاحمرار.
ملامسة جسم بارد أو استخدام كمّادات باردة يمكن أن يُخدّر الإحساس بالحكّة ويمنح الجلد راحة مؤقتة.
نصيحة عملية: لفّ كيس ثلج بقطعة قماش نظيفة، وضعه بلطف على المنطقة المصابة لبضع دقائق.
4. اختيار الكريمات المناسبة بعناية
ليس كل كريم مرطّب مناسبًا للبشرة التأتّبية. اختر منتجات مصمّمة خصيصًا لهذا النوع من الجلد، وخالية من العطور والكحول والمواد الحافظة القاسية.
هذه الكريمات لا تكتفي بالترطيب، بل تساعد على إعادة بناء الحاجز الجلدي.
وفي حالات الالتهاب الشديد، قد يصف الطبيب كريمات كورتيكوستيرويد موضعية تُستخدم لفترة محدودة وبطريقة مدروسة لتخفيف الاحمرار والحكّة.
5. فيتامين D… عنصر مهم في الشتاء
فيتامين D يلعب دورًا مهمًا في تنظيم الجهاز المناعي، وقد أظهرت دراسات ارتباط نقصه بتفاقم الإكزيما.
في الشتاء، تقلّ كمية أشعة الشمس التي نتعرّض لها، ما يجعل نقص هذا الفيتامين شائعًا. لذلك، قد يكون تناول مكمّلات فيتامين D مفيدًا لبعض المرضى، بعد استشارة الطبيب.
ولا تنسَ أن التعرّض لأشعة الشمس، ولو لفترة قصيرة، يمكن أن يكون له أثر إيجابي على الجلد والمزاج معًا.
6. اقرأ مكوّنات المنتجات قبل استخدامها
البشرة المصابة بالإكزيما شديدة الحساسية لأي مواد مهيّجة. لذلك، احرص على قراءة مكوّنات كل ما تضعه على وجهك أو جسمك:
من واقيات الشمس، إلى الصابون، وكريمات الترطيب، وحتى مستحضرات التجميل.
تجنّب المنتجات التي تحتوي على عطور، أو زيوت أساسية، أو مواد قد تثير الحساسية. هذا الوعي البسيط قد يجنّبك نوبات مزعجة من الإكزيما.
كلمة أخيرة
إكزيما الشتاء ليست حالة ميؤوسًا منها، لكنها تتطلّب صبرًا، والتزامًا، وفهمًا لطبيعة البشرة. باتباع روتين يومي صحيح، وتجنّب المحفّزات، واستخدام العلاجات المناسبة، يمكن السيطرة على الأعراض والعيش براحة أكبر حتى في أبرد أيام السنة. يتعلم أكثر
تنويه مهم: قبل تطبيق أي علاج أو تغيير في روتين العناية بالبشرة، يُنصح دائمًا باستشارة طبيب مختص، خاصة في حالات الإكزيما المتقدمة أو المستمرة.
